سيد قطب

3791

في ظلال القرآن

جديدة ، لأنها تستجيش في النفس استجابات جديدة . وفي هذه السورة جدة في مشاهد جهنم . وجدة في مواجهة المكذبين بهذه المشاهد . كما أن هناك جدة في أسلوب العرض والخطاب كله . ومن ثم تبرز شخصية خاصة للسورة . حادة الملامح . لاذعة المذاق . لاهثة الإيقاع ! والآن نستعرض السورة في سياقها القرآني بالتفصيل : « وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً . فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً . وَالنَّاشِراتِ نَشْراً . فَالْفارِقاتِ فَرْقاً . فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً : عُذْراً أَوْ نُذْراً . . إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ » . . القضية قضية القيامة التي كان يعسر على المشركين تصور وقوعها ؛ والتي أكدها لهم القرآن الكريم بشتى المؤكدات في مواضع منه شتى . وكانت عنايته بتقرير هذه القضية في عقولهم ، وإقرار حقيقتها في قلوبهم مسألة ضرورة لا بد منها لبناء العقيدة في نفوسهم على أصولها ، ثم لتصحيح موازين القيم في حياتهم جميعا . فالاعتقاد باليوم الآخر هو حجر الأساس في العقيدة السماوية ، كما أنه حجر الأساس في تصور الحياة الإنسانية . وإليه مرد كل شيء في هذه الحياة ، وتصحيح الموازين والقيم في كل شأن من شؤونها جميعا . . ومن ثم اقتضت هذا الجهد الطويل الثابت لتقريرها في القلوب والعقول . واللّه سبحانه يقسم في مطلع هذه السورة على أن هذا الوعد بالآخرة واقع . وصيغة القسم توحي ابتداء بأن ما يقسم اللّه به هو من مجاهيل الغيب ، وقواه المكنونة ، المؤثرة في هذا الكون وفي حياة البشر . وقد اختلف السلف في حقيقة مدلولها . فقال بعضهم : هي الرياح إطلاقا . وقال بعضهم هي الملائكة إطلاقا . وقال بعضهم : إن بعضها يعني الرياح وبعضها يعني الملائكة . . مما يدل على غموض هذه الألفاظ ومدلولاتها . وهذا الغموض هو أنسب شيء للقسم بها على الأمر الغيبي المكنون في علم اللّه . وأنه واقع كما أن هذه المدلولات المغيبة واقعة ومؤثرة في حياة البشر . « وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً » . . عن أبي هريرة أنها الملائكة . وروي مثل هذا عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات ، والسدي والربيع بن أنس ، وأبي صالح في رواية ( والمعنى حينئذ هو القسم بالملائكة المرسلة أرسالا متوالية ، كأنها عرف الفرس في إرسالها وتتابعها ) . وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات . . إنها الملائكة . وروي عن ابن مسعود . . المرسلات عرفا . قال : الريح . ( والمعنى على هذا أنها المرسلة متوالية كعرف الفرس في امتدادها وتتابعها ) وكذا قال في العاصفات عصفا والناشرات نشرا . وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية . وتوقف ابن جرير في المرسلات عرفا هل هي الملائكة أو الرياح . وقطع بأن العاصفات هي الرياح . وكذلك الناشرات التي تنشر السحاب في آفاق السماء . وعن ابن مسعود : « فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ، عُذْراً أَوْ نُذْراً » يعني الملائكة . وكذا قال : ابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري بلا خلاف . فإنها تنزل بأمر اللّه على الرسل ، تفرق بين الحق والباطل . وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار .